1,400 د.ج
لم تُشكِّل لهم الرحلة إلى فاس سوى إضافة سياحية، كالتقاط صورة أو شراء هدية تذكارية، غطاء طاولة، منديلاً أو لفاحاً بثمن زهيد. كانت الدعوة إلى الطعام مكافأة على جلسات النقاش النّظريّ حول وظيفة الأدب، حدود الترجمة وحوار الحضارات، هذه الأشياء التي لا تُلمَس لمس اليد، لا رائحة لها، تعوزها الصورة والرؤية المباشرة. وحدها الأصوات، أصوات […]
لم تُشكِّل لهم الرحلة إلى فاس سوى إضافة سياحية، كالتقاط صورة أو شراء هدية تذكارية، غطاء طاولة، منديلاً أو لفاحاً بثمن زهيد. كانت الدعوة إلى الطعام مكافأة على جلسات النقاش النّظريّ حول وظيفة الأدب، حدود الترجمة وحوار الحضارات، هذه الأشياء التي لا تُلمَس لمس اليد، لا رائحة لها، تعوزها الصورة والرؤية المباشرة. وحدها الأصوات، أصوات المغاربة الخشنة، المضغوطة، الثقيلة وذات الوقع الغريب بتجسّدها غير القابل للطَّعن، حافظت على الفوارق بين المتحدِّثين، فلولاها لخلتَها نقاشاتٍ تجري في أيِّ مكان آخر من العالم. شيئاً فشيئاً اتّضح أن زيارة فاس، العاصمة القديمة للمغرب والملاذ الآمن لأجيال عديدة من العرب الفارّين من إسبانيا، كانت أجمل وأهمّ ما في ذاك الملتقى. لم تكن مجرّد زيارة عادية لمدينة، بل مواجهة مباشرة مع الآخر المختلف كُلّيّاً، الآخر الذي استحال مدينة وحجراً، رائحة ومشهداً، مع الغرابة المتبدّية في الأصوات العربية في الأيّام السابقة. كانت قبولاً في أخوية شهيرة، حظي بها عدد من كبار ضيوف نسيب (جاك دريدا ودومينيك دي فيلبان هما الأكثر شهرة بينهم)، إسراراً للمُريدين عن العَظمة السالفة للحضارة العربية الإسلامية، بل الحضارة الأندلسية المغربية، التي لا يجوز الخَلْط بينها وبين العربية الإسلامية وفق روايته، هو مَنْ يزعم أن الكلام عن فاس هو كلام عن الأندلس.